الترجمة المسرحية للعروض السورية في برلين: نقاش في تبعياتها وماهيتّها

Oct 2019

تنشر اتجاهات، ضمن برنامج أولويات العمل الثقافي السوري، سلسلة من مقالات الرأي بأقلام مجموعة من الخبراء والفاعلين الثقافيين السوريين وغير السوريين. يهدف هذا النشاط إلى تسليط الضوء على مجموعة من القضايا والتحديات التي تواجه العمل الثقافي السوري.

في مقالها الترجمة المسرحية للعروض السورية في برلين نقاش في تبعياتها وماهيته تسائل هبة محرز دور الترجمة الحية في المسرح كآلية تقنية يتم استخدامها مؤخراً في تقديم العروض المسرحية السورية في برلين لإيصال المعنى وتبحث في المشاكل أو الصعوبات التي تعترض ترجمة هذه العروض بشكل عام.

 

هبه محرز

 

كلّما أحببت نصاً أجنبياً، أو أعجبت بقصيدةٍ مترجمةٍ، أتساءل فعلاً عن ذلك النص أو القصيدة بلغته الأصلية؟ كيف سيكون الإحساسُ بتلك الكمات كما كتبها صاحبُها؟ أو عمّا فقدته خلال القراءة؟ ولكني مع ذلك أشعر بالامتياز أنني استمتعت مع وجود كل تلك الحواجز اللغوية، وهذا ما يحيلني إلى السؤال الحقيقي عن الترجمة التي رغم أنها قد تبدو عمليةً إجرائيةً بحتة، إلّا أنها بالفعل إعادةُ خلقٍ حقيقي للنص من جديد، فهي تخلق تَوْءَماً له بلغة أخرى، فمع الاعتراف الحتميّ بأنه لا يمكن نقلُ روحِ لغةٍ إلى أخرى فإنه يمكن إعادةُ تشكيلِ معطيات النص لتبث معانيه في روح جديدة بلغة أخرى، أو كما قال غونتر غراس "الترجمة هي كل ما يحوّل كل شيء لكي لا يغير شيء"، وبذلك فإن العمل المنجز هو كائن مستقل بقدر ما هو نسخة عن الأصل ومتعة التعامل معه لا تقل عن متعة قراءة الأصل في حال كان المترجم أميناً وخلّاقاً.

عموماً يصحّ كل ما سبق من حديث على كل النصوص المكتوبة شعراً رواية أو مسرح، أما ترجمة المسرح الحي فتلك بالتأكيد قضية أخرى، هي لحظة حية تشبه عناصر العرض المسرحي بآنيتها، ولكنها أيضاً آلية تقنية لإيصال المعنى، فهي تشمل أن تكون مكملاً للعرض المسرحي، وفي ذات الوقت أكثر عناصره أهميةً لكونها أول ما يراه المتفرج، ولهذا فلها حالة معقدة من التعاطي معها.

 وضمن هذا المفهوم، يبدو أن كل الأعمال المسرحية السورية المقدمة في برلين تحتاج بشكل واضح للترجمة، إذا كان خيارها أن تُعرض باللغة العربية، وقد يبدو الموضوع أمراً تقنياً لابد منه في تقديم العروض، فبالتأكيد إن وجود ترجمة لجمهور المدينة الناطق بالألمانية هو بوابة هذا الجمهور لفهم العرض المسرحي وبالتالي التواصل مع الفاعل الثقافي السوري الموجود وراء هذا العرض، وربما الانفتاحُ نحو فهمٍ أوسع للثقافة بشكل أعم، فقد أصبحت أسئلة الترجمة وما تعنيه وكيف يتلقاها الجمهور هي أسئلة من خضمّ العمل المسرحي السوري في ألمانيا وتحدياته، فهي اليوم طبقة جديدة تزداد على مفهوم العمل المسرحي، وقدرته على مخاطبة المتفرج، فلا يكاد يوجد عرض سوري في ألمانيا يخلو من "surtitle".

بالتأكيد يخضع نص العرض المسرحي إلى معايير مختلفة عن نص المسرح المكتوب، فنص العرض المسرحي حي منطوق ومتغير، وبالتالي فإنه يحتاج أن يتشابه مع واقعه "الآن وهنا" وأن يكون معبر عن لحظته الراهنة، ولهذا فإن تعقيداً جديداً يضاف إلى تعقيدات العمل المسرحي السوري في المهجر، هو تعقيد اللغة المسرحية، فواقع أن أغلب المسرحيات السورية اليوم تتخذ من العامية متناً للنص وذلك لاتساقها مع أفكار اليوم، ومع ما يقوله العرض، هو أمر يحمل الكثير من التفاصيل للمناقشة، للغة المسرحية في العروض السورية تاريخ طويل من الأخذ والرد، ومراحل متعددة من التواصل المعقد مع جمهورها السوري، وإذا كنا هنا لا نحاول الدخول في تلك التفاصيل، فسيكفينا أن نقول إنه لم يكن من السهل خروج العامية السورية إلى فضاء المسرح، وهو سؤال يترافق مع سؤال أساسي عن أي عامية نتحدث هنا، كون أن اللهجات السورية المختلفة متنوعة بشكل واسع. إلا أن ما يهمنا من هذا الكلام الآن هو أن تفصيل اللغة العامية يترافق مع الترجمة، فرغم أن اختيار لغة العرض عامل أساسي لكنه سيبقى ثانوي في التركيز على ترجمة العرض، إذاً كيف يمكن تقديم ترجمة تستطيع أن تقول عن العرض في جملة ما تقوله، أنه يستخدم لغةً عاميةً، أو لغةً فصحى، أو حتى لغة وسيطة؟

يمكننا في البداية توضيح فكرة ترجمة العرض المسرحي أو (Surtitle) الكلمة المنحوتة من (sur) الفرنسية والتي تعني أعلى، و(title) الإنكليزية والتي تعني عنوان وهي بمجملها لعب على كلمة (subtitle) الإنكليزية بمعنى ترجمة، وتعد اليوم هذه الكلمة المستعملة عالمياً للدلالة على ترجمة العرض المسرحي، وهي علامة تجارية مسجلة لدار الأوبرا الكندية التي كانت من استعمل هذه التقنية لأول مرة مع أوبرا إلكترا (Elektra) للموسيقار شتراوس (Richard Strauss) المكتوبة باللغة الألمانية وذلك سنة 1983، وقد فتحت هذه العملية أبواب جديدة في عالمية الأوبرا والعروض المسرحية حتى أن نيويورك تايمز، قدمت تقريراً في  23 سبتمبر 1983، وقالت فيه "لقد صمم الكنديون شيئاً يجعل الأوبرا مفهومةً ومتاحةً للعديد من الذين يحبون الموسيقى ولكنهم لا يستطيعون فهم الكلمات. يطلق عليها اسم SURTITLES."[1].

وهكذا فإن فكرة الخروج من محدودية اللغة في العرض المسرحي عبر نص مترجم ليست قديمةً فعلاً، رغم أنها خضعت لتجارِبَ واختباراتٍ متعددةٍ وكثيرة، وأصبحت في لحظة من اللحظات عمليةً دراميةً من صلب العرض المسرحي، أو بوابةً لنقاش ماهية وجودها من عدمه بالعلاقة مع الحراك الثقافي في المدينة، أو حتى التلاقي الثقافي والتبادل بين لغات متعددة في فضاء واحد.

من هذا المنطلق نجد أن أحد المؤثرات في موضوع "surtitle" هو أن أغلب منتجي العروض المسرحية السورية لا يعرفون اللغة الألمانية، فيبدو الأمر كالتالي: العرض المسرحي يقدم منتج "وهو نص باللغة العربية" لمستهلك يتلقى منتجاً أخر "الترجمة الألمانية للعرض" بينما هو لا يعرف نص العرض الأصلي وكاتب أو مخرج العرض لا يعرف النص الذي وصله وتركيبات اللغة التي قدمت له، وهنا تبدو العملية المسرحية وكأنها تخطو خطوةً مختلفةً في فهم مكانة المسرح أو حتى في قدرته على أن يكون أداةً لتقاربِ الثقافات أو حتى آليةً قويةً للاندماج، ومن المؤكد أنه علينا التنويه أن الترجمة للعرض المسرحي"surtitle" لا يمكنها أن تكون كائناً مستقلاً، إنما هي دوماً عنصرٌ من عناصر العرض كما سينوغرافيا العرض أو نصه المنطوق، لذا ولهذا السبب لابد أن تتم مناقشتها ضمن سياق العرض، وليس كأنها طبقةٌ جديدةٌ له، فهي من صلب العمل ومدى دقتها أو سوئها هو عامل لتقييم العمل نفسه، ورغم ذلك تتفوق ترجمة العرض المسرحي على باقي العناصر الأخرى فهي تعني أن عنصر اللغة المنطوقة هو عنصر يفقد معناه لهذا الجمهور، وبالتالي تأخذ الترجمة مكان عين الملك بالنسبة للمتفرج، فهي خط التواصل مع الحكاية مع تفاصيل العمل.

تجربتان عن الترجمة "surtitle"

وهنا يمكن أن نختار تجربتين للحديث عنهما الأولى مع تجربة المترجمة الألمانية ساندرا هتزل، التي عملت مع أكثر من عرض مسرحي سوري قُدّموا في ألمانيا في السنوات الأخيرة، وقد أوضحت رأيها في تقديم نص مسرحية سورية عامية إلى الجمهور الألماني فقالت إنه بين واحدٍ وعشرين نصاً مسرحياً معاصراً قامت هي بترجمتهم من سوريا، لبنان وفلسطين، لم يكن هناك إلا "نصف نص" مكتوب بالفصحى (أجزاء لنصّ "بوربورغموس" للينا مجدلاني، ربيع مروة ومازن كرباج.) وربما لهذا السبب تكوّنَ لديها الانطباع بأن مسرحياتٍ مكتوبةً بالفصحى هي أمرٌ نادر أصلاً في هذه الأيام، لكن بالحالتين فيما يخص المتفرج الألماني، فهو تقريباً لن يشعر بالفرق بين نص مترجم عن الفصحى ونصّ مترجم عن العامي السوري، لأنه لا يتلقّى إلا ترجمةَ هذا النص، واللغة الألمانية لا تعرف ذاك الفصل الصارم بين اللغة المكتوبة واللغة المحكية.

وفي الحديث معها حول هذه النقطة الأخيرة حول فكرة تقديم روح النص الأصلي للمتفرج الألماني كان لها رأيها حول الموضوع فهي بعد تجربة واسعة مع ترجمة النصوص العربية أوضحت "عندما أقوم بترجمة نص أدبي من العربية إلى الألمانية، فإن هدفي في النهاية أن يكون تأثير هذا النص أو هذه العبارة على القارئ الألماني كـتأثير العبارة الأصلية على القارئ باللغة العربية، قدر الإمكان. لتحقيق ذلك، عليّ ليس فقط أن أترجم كلماتٍ إلى كلماتٍ وجملاً إلى جملٍ، بل أيضاً يجب أن أترجم -في رأسي - مواقفَ إلى مواقف، وسياقاتٍ إلى سياقات، وعليّ أن أتساءل: لو أن رند وخلدون وحلا كانوا ألمان، فإلى أيِّ وسطٍ اجتماعي كانوا سَينتمون وبالتالي كيف كانوا سيتكلّمون؟"

وفي معرض الحديث حول موضوع التركيز الأساسي على الـ "surtitles" في العروض السورية في برلين أجابت المترجمة هتزل حولَ سؤالٍ عن الضغط الإضافي الذي تضعه هذه الحقيقة أمام المترجم فقالت بأنها ترى أن " العكس صحيح فترجمة نص مسرحي سَيُعرَض على شكل " surtitles"، شيءٌ عابر نوعاً ما، لأن الترجمة عادةً ستُستخدم خلال ثلاث أو أربع عروضٍ فقط، ويكاد أحياناً ألا يستطيع المتفرج الألماني متابعة جميع هذه "السلايدز" التي تمرّ بسرعة، وبعد ذلك يكون كل شيء قد انتهى، مع الأسف، ولا أحدَ سيقرأ هذه الترجمة مرةً أخرى. طبعاً مع ذلك، أحوّل ترجمة كل نص مسرحي وكأنه للخلود، إلّا أنني قد أشعر بضغطٍ إضافي عند ترجمة عمل أدبي سينشر على شكل كتاب، لأنني أدرك وقتها: ترجمتي هذه ستبقى هناك في الخارج "إلى الأبد"، مطبوعةً على ورق، وقد تقع بين يدي قارئٍ ناقدٍ بإمكانه قراءةُ أيَّ مقطع منها عدةَ مرّاتٍ وكشف عللها."

أما عن آلية العمل على ترجمة العروض شرحت هيرتزل طريقتها الأساسية في العمل فقالت:"عندما أكون قد أنهيت ترجمة نص ما، يجب تقسيمه إلى مئات المقاطع ذات سطرين، أحياناً تصل إلى أكثر من ألف "سلايد". نتيجة عملية تقسيم النص هذه، هي نسخة مختصرة للنص، توازي ما يسمى نص الخشبة أي كل ما يقال على الخشبة.لأن الترجمة المعروضة، هي عرض لكل الجمل المنطوقة على المسرح، وسرعة القراءة المفروضة على المتفرّج كبيرة، بالنظر إلى سرعة الحوارات والكلام على المسرح وبحسب إيقاع العمل. في أغلب الأحيان لست أنا من يقسم النص، لكنني أراجع أخيراً "السلايدات" مرة أخرى، تجنّباً لأخطاء قد تحدث أثناء عملية تقسيم النص".

وأكدت في النهاية أن "الاستماع" بالنسبة لي مهمّ جداً لعملية الترجمة، وبصورة خاصة عند ترجمة المسرح. ودائماَ ما أقرأ لنفسي بصوت عالٍ، عندما أترجم نصّاً مسرحياً، وفي النهاية، عندما أراجع ترجمتي عدّة مرّاتٍ، أقرأ الحواراتِ بصوتٍ عالٍ وأتقمّص الأدوار المختلفة، ففي النهاية يجب أن تقنعني ترجمتي له، تقنعني بمعنى: هل تتكلّم الناس هكذا بالفعل؟ وهكذا دوماً أبحث بمَخْزُوْنِي السمعي عن جملٍ وتعبيراتٍ."

أما التجربة الثانية فهي مسرحية "قراءة بين الوجوه" لوائل سالم التي عُرضت في مسرح التاك في برلين في 23 و24 شهر حزيران الماضي، وقد قدم العرض مجموعةً من الهواةِ باللغة العربية مع ترجمة للإنكليزية، سالم أكد أن الوصول إلى الجمهور الألماني كان عاملاً مهماً له، لأن موضوعة مسرحيته كانت تتناول البحث عن السعادة والأسئلة المرافقة لها من منظورٍ ناطقٍ بالعربية في برلين، لذا فإن مشاركة الجمهور هي عامل أساسي، ولكن ولضيق الوقت وقلة تمويل العرض، اضطر سالم لترجمة نص العرض للإنكليزية بنفسه، وقد ترجمه على مرحلتين، هما الترجمة كنص مسرحي باللغة الإنكليزية، ثم كشرائحَ للعرض كترجمةِ عرض مسرحي "surtitle".

وكما صرح بنفسه "بالطبع هنالك وعي أن الإنكليزية هي لغة وسيطة، وهي تضيف للعرض بعد آخر، ولكني حاولت أن أتعامل مع الترجمة كجزء حي من العرض لذا وفي قسم التفاعل مع الجمهور ضمن العرض، توقفت الترجمة، إلّا أن الممثلين استخدموا اللغتين الإنكليزية والعربية رغم إتقان بعضهم للألمانية وذلك كامتداد للترجمة"

وعن رأيه في قدرة الإنكليزية إيصال المعنى للجمهور الألماني أجاب "الإنكليزية اليوم لغة قادرة للوصول إلى شريحة واسعة من العالم وخاصة الشباب، ورغم أنها لم تكن لحظة مريحة للجمهور الألماني، إلا أن surtitle الإنكليزي لم يحرمهم متعة المشاهدة أو الابتعاد عن المعنى"، كما أنه نوه أن اختيار لغةٍ وسيطةٍ للعرض كان خياراً مريحاً لبعض الممثلين في المجموعة الذين لا يتقنون الألمانية.

أما بالنسبة للنص العربي نفسه فقد وضّح سالم أنه مكتوب بالعامية السورية، مع ترك الحرية للمؤدين لاستخدام لهجاتهم الأصلية في حواراتهم، وهذا برأيه هو عامل مهم ليستطيع المؤدي أن يتفاعل مع النص، خاصةً وأن النص كُتب خلال البروفات مع المؤدّين، وهو يعبر عنهم وعن أفكارهم، لذا فإن العامية هي لغته الأم، وهذا ما دافع عنه سالم خلال الترجمة فراعى أن تكونَ الجمل بالإنكليزية العامية، أو اليومية، وقد أكد أنه يرى أن العاميةَ المستخدمةَ في نصه ليست عاميةً بيضاءَ إقصائيةً تخلق هرميةً سلطويةً، وإنما تحاول أن تكون من روح العمل نفسه وما يشبهه.

يتقاطع الحديث السابق مع ما يبدو عموماً من أن موضوعة "surtitles" هي عملية مازالت تعاني في المسرح الألماني، وأنها أمر يعتبر حتى الآن كعامل مكمل إضافي، رغم أن برلين العاصمة تضم حسب مكتب الإحصاء أكثر من 472 ,748 ألف أجنبي فيها[2]، ومع ذلك يبدو أن "surtitle"   لم تَغْدُ أمراً روتينياً إلى اليوم في مسارحها، وتعاني من مشاكلَ كبيرةٍ، أهمُّها تخصيصُ الميزانية، مثلما صرحت به باربرا زيغريت "Barbara Seegert " منسقة برنامج ملتقى المسرح "Theatertreffen" الذي يقام في برلين، حينما قالت إن الميزانية المحدودة هي التي أجبرتهم على ترجمة نصف عروض الملتقى إلى الإنكليزية عام 2012، وترك النصف الآخر دون ترجمة[3].

 أما الصعوبة الثانية فهي الاعتراف بأهمية تقديم ترجمةٍ احترافيةٍ وهو ما أكد عليه "ديفيد مايس David Maß" صاحبُ أول شركةِ ترجمةٍ مسرحية محترفة في برلين (KITA)، حيث يؤكد أن معركته مستمرةٌ لجعل الترجمة مدموجةً بالفريق الفني للعروض المسرحية، وأن هذا النضال هو صعبٌ مع وجود المسارح التي لا تهتم بمدى مهنية وحرفية الترجمة لعروضها[4].

هذه المشاكل أو الصعوبات التي تعترض ترجمة العروض المسرحية في برلين بشكل عام، تجعل من العروض المسرحية السورية أمام تحديات إضافية، فالجمهور عموماً غير معتاد على الترجمة "surtitle"، ومع ذلك يستقطب العرض المسرحي السوري جمهوراً لا بأسَ به من الألمان، ربما هو الفضول لفهم طبيعة المسرح والمجتمع السوري على اعتبار أن المسرح هو محاولةٌ لفهم المجتمع، وربما هي الضوضاء الحالية حول سوريا والسوريين ما تجعل فنونهم محلَّ اهتمامٍ، وبكل الأحوال يبدو أن المسارح في ألمانيا تسعى للوصول إلى المتفرج الآخر، لأنها تنفتح على العالم الأمر الذي يسارع وتيرة دخول الترجمة إلى مسارحها، فيبدو أن المسرح السوري في المهجر اليوم يجاهد ويحارب على أكثر من صعيد للوصول إلى قلب المتفرج الألماني، وهذا ما يجعل الترجمة اليوم واحدةً من صعوباتِ واقعِ العمل الفني السوري، وهي صعوبة لم يكن ليتعامل معها من قبل.

في النهاية فإنه لابد من تسليط الضوء على أن السؤال عن الترجمة في العرض المسرحي السوري في المهجر اليوم، يحيلنا إلى أسئلة كثيرة، لعل أهمَّها مناقشةٌ جادةٌ حول دور اللغة بشكل عام، فهل حالة "surtitle" هي حالة مؤقتة للعرض المسرحي السوري في المهجر، ستنتفي لاحقاً حينما يتبنى لغة البلد المنطوقة؟ هل لغة العرض العربية هي مرحلة وسطى قبل الانتقال للكتابة بلغة أخرى؟ أم أنها حالة مربوطة أكثر بإحساس العمل المسرحي، وبالمطلوب منه؟ هل اللغة خيار فني أو سياسي أم هي حاجة؟ هل هي وسيط أم آلية لإيصال المعنى؟ وما الذي يعنيه اليوم أن تخرج مسرحية "سورية" ناطقة بالألمانية أو الفرنسية، أو أن يخرج نص سوري بلغة أخرى؟ كل هذه الأسئلة وأكثر، هي أسئلة العمل السوري اليوم في المهجر، هي متطلباته الجديدة وتعقيداته الحالية، هي أفكاره وآلية صناعته، وبقدر ما ستكون هذه الأسئلة مطروحةً بقدر ما ستكون الإجابات فرديةً متنوعةً وتحمل أبعاداً جديدةً للعمل المسرحي السوري.



[1] https://www.surtitles.com/intro.html

[2] https://www.statistik-berlin-brandenburg.de/publikationen/Stat_Berichte/2019/SB_A01-05-00_2018h02_BE.pdf

[3] https://www.exberliner.com/whats-on/stage/a-sur-thing/

[4] https://www.exberliner.com/whats-on/stage/a-sur-thing/


© الحقوق محفوظة اتجاهات- ثقافة مستقلة 2022
تم دعم تأسيس اتجاهات. ثقافة مستقلة بمنحة من برنامج عبارة - مؤسسة المورد الثقافي