عواصم رعاية أوروبية؟
د. ماري آن ديفليغ، نائبة الرئيس، اتجاهات - ثقافة مستقلة
7 أيار/مايو 2026
كلمة أُلقِيت خلال Culture Next، شبكة عواصم الثقافة الأوروبية في لارنكا (لارنكا عاصمة الثقافة الأوروبية 2030) من 6 إلى 8 أيار/مايو 2026. https://larnaka2030.eu/
وصلتُ إلى أوروبا منذ نحو 50 عاماً. باعتباري شابةً بيضاء من دولة غنية، رحّبت بي أوروبا أفضل ترحيب. ويُقال إننا نحن "الأوروبيين الجدد" الأكثر إيماناً بفكرة فضاء ثقافي موحد مشترك. ورغم أنني أحمل اليوم الجنسية البلجيكية، لستُ من مواليد بلجيكا، ومشاعري تجاه بلجيكا وأوروبا نابعة ممّا تعلمتُه خلال وجودي هنا، ومن اهتمام الناس بي. ولكنني لا أريد التحدث عن نفسي، بل أود التركيز عليكم.
فأنتم جميعاً في طور التخطيط أو التنفيذ أو اختتام مشاريع ضخمة مرتبطة بتنظيم عاصمة أوروبية للثقافة. وهذا يشير إلى مدى أهميتكم الكبيرة، ولا أعني ذلك بمعنى الغرور أو الاعتداد بالذات، بل بمعنى الوجود في موقع مسؤول ومؤثر. إن لم تكونوا قد أدركتم ذلك بعد، فامنحوا أنفسكم لحظات لإدراك ما يلي: قراراتكم قد تمنح فنانة شابة أول دعم تتلقاه، أو تمنح فناناً أكبر سناً الفرصة لتحقيق إنجاز حلم به منذ صباه. ويمكن أن يبث البرنامج الذي تضعونه شعوراً إيجابياً في فرد من أفراد المجتمع المحلي، شعوراً بأهمية أكبر وعزلة أقل وفرح. حتى إذا لم نتطرق إلى التفرعات المعروفة للأعمال الفنية والأنشطة الثقافية، فتكفي مواجهة عمل فني والنظر فيه إلى دفع البعض إلى التفكير، والتمهّل قليلاً، بما يزيد الانتباه والحساسية لفترة من الزمن. ولكن عملكم لا يهدف إلى التأثير على الأفراد فحسب، بل للتأثير إيجابياً على مدن كاملة والمجتمعات التي تسكنها، وعلى علاقات الأفراد بعضهم ببعض، وبالبيئة وبالعالم عموماً، وكيف تتواجه القيم وتختلط وتنعكس لتعبر الانقسامات، وتعبر الحدود.
الآن، تشيع في لغة السياسات الثقافية اصطلاحات مثل "القيم الأوروبية": الكرامة الإنسانية والحرية والديمقراطية والمساواة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، بما فيها حقوق الأقليات. تتشارك الدول الأعضاء "مجتمعاً تسوده التعددية وعدم التمييز والتسامح والعدالة والتكافل والمساواة بين الرجال والنساء". هذا ما ورد في البند الثاني من معاهدة إنشاء الاتحاد الأوروبي، وأعتقد أن هذه القيم ليست حكراً على أوروبا!
ولكن، ما هي البرمجة التي يمكن أن تعكس هذا كله؟ لاسيما وأن عواصم الثقافة الأوروبية يجب أن تترك إرثاً. هل سيكون إرثكم البنية التحتية التي بُنِيت، أم تغيير العقليات السائدة في المجتمع المحلي، وزيادة انفتاحها على الآخر، وتعزيز الاحترام الذي يظهره المجتمع للآخر في الحياة اليومية؟ هل سيتوصل المجتمع المحلي إلى فهم أفضل لسبب احتياج الفنانين والفنانات لحرية التعبير، التي توصف بأنها "الهواء الطلق للمجتمع". وهل سيتحلى الجمهور بالفضول الكافي لمناقشة والتفاعل مع الأفكار غير المألوفة بدل التهرب منها؟
تأثيركم ليس أمراً ثانوياً، ولعله لا يتوقف على ما يحتويه البرنامج بل كيفية البرمجة أيضاً.
يذكّر هذا بصفات الثقة والمسؤولية والرعاية. قال الفيلسوف الفرنسي بول ريكور:
عندما يعتمد عليّ شخص آخر، فهو يضعني في موقع المسؤولية عن أفعالي ... فنحن لا نتحلى بالمسؤولية إلا بين الآخرين وأمامهم. عندما يعتمد علي شخص ما أو يثق بي، فإن ما يتوقعه مني هو ما عليّ أن أفي به حسب وعيي... أن أكون المسؤول عن أفعالي.[1]
عندما يكون لنا أثر، نكتسب ثقة الآخرين ونصبح مسؤولين أمام المجتمعات التي تثق بنا والجهات الممولة التي تدعمنا والفنانات والفنانين الذين نطلب منهم أعمالاً والزميلات والزملاء الذين يعملون معنا. في هذه الحالة، نصبح مسؤولين عن هذه القيم.
وهذا يستحضر الصفة الثالثة: الرعاية. عام 2024، أكملتُ كتابة أطروحة دكتوراة ركّزت على قضايا الحقوق والمواطنة الخاصة بالفنانات والفنانين الذين تعرضوا للاضطهاد في دولهم الأصلية وانتقلوا، بحثاً عن الأمان، إلى الاتحاد الأوروبي، وعلى سياسات قطاع الثقافة والفنون، ومدى دعمها وترحيبها بهم، أو غياب ذلك. تعمّقتُ في دراسة أخلاقيات العناية، وهذا تخصص فرعي كامل في الفلسفة، ولكن الرعاية هي ممارسة عملية أيضاً نؤديها عندما نولي اهتماماً للحيوات التي يمتد تأثيرنا إليها.
في كتابها "حالات تكافل غير مثالية"، الصادر عام 2024، تقول الكاتبة والناقدة الفنية أرونا دسوزا هذه الكلمات غير الشاعرية عن الرعاية:
الرعاية قبل الحب، أو الرعاية قبل التعاطف، هي السياسة التي أطمح إليها. أتطلع إلى تكافل نابع، مباشرةً، من الالتزام بالرعاية والعناية، لأن هذا هو الواجب الأساسي الواقع على كل منا تجاه الآخر. إذا نمت مشاعر الحب والتعاطف، فهذا أمر رائع، ولكنه ليس أمراً ملزماً.[2]
الرعاية واجب الإنسان تجاه الإنسان، وهي واجب يخلق التكافل. لِمَ أرتدي هذه الكوفية؟ للمظهر؟ بالطبع لا، بل لأنها تعكس عملي الذي امتد أكثر من عشرين عاماً مع زميلات وزملاء في فلسطين، ثم في لبنان وسوريا. وارتداء هذه الكوفية، باعتبارها رمزاً للتكافل، هو أقل ما يمكنني فعله.
في أطروحتي، طبقتُ أخلاقيات الرعاية على الشبكات الثقافية في أوروبا. عملتُ مع الفنانات والفنانين طيلة حياتي، وانتقدتُ عدداً من السلوكيات في القطاع الفني والثقافي، حيث وجدتُ أن لغة السياسات الثقافية لا تطابق الممارسة العملية. ومن أهم المفاهيم التي استخدمتُها التطبيق العملي للأخلاقيات.
تتضمن أخلاقيات الرعاية خمس قيم أساسية: الانتباه (رؤية ما يجري بشكل جيد) والمسؤولية (الشعور بالدور الواجب أداؤه) والاستجابة (الحرص على أن يكون الفريق أو الشركاء على دراية وقناعة بالأنشطة المتّبعة في حال عدم مشاركتهم فيها)، وأخيراً الثقة والتكافل (تقديم كل طرف الدعم للأطراف الأخرى على أساس من المساواة).
تحتل أخلاقيات العناية، باعتبارها واجباً إنسانياً وتكافلاً جماعياً، موقعاً بارزاً في سياق عواصم الثقافة الأوروبية. خلال السنوات القليلة الماضية، تم التركيز على العناية في قطاع الفنون، وتبنّت المؤسسات الفنية "ممارسات منصفة" جيدة جداً، ولكننا ما زلنا نرى فنانات وفنانين، وقيِّمات وقيِّمين، وعاملات وعاملين، ومديرات ومديرين يعملون بأكثر من طاقتهم ويتقاضون أجراً أقل من الأجر الذي يستحقونه، وهذا لإيمانهم بما يفعلون إلى درجة يسهل معها استغلالهم. خفتُ لسنوات من عواصم الثقافة الأوروبية! رأيتُ العديد من الصديقات والأصدقاء يستنفدون أنفسهم ويذهبون إلى المستشفيات، أو يتعرضون للطرد أو للدعاوى القضائية. سبب معاناة هؤلاء الأصدقاء والصديقات هو الاهتمام بالعمل الفني والثقافي الذي نظموه، ولكن من اهتمّ بهم أو بهنّ؟
من أشكال ممارسة الرعاية والتكافل، الشبكات الفنية والثقافية.
سأستعرض قليلاً من تاريخ هذا الموضوع: لم أكن أول شخص في المشهد عندما بدأت الشبكات الثقافية تتشكل، ولكنني كنتُ قد تأخرتُ بضع سنوات. تأسست شبكة IETM، شبكة فنون الأداء المعاصرة، عام 1989، وأصحبتُ عضواً فيها عام 1992، ثم أصبحتُ الأمين العام لها عام 1994 وتركتها عام 2013. كانت صفة الأيام الأولى التكافل بشغف. في الواقع، كان أول عمل قمتُ به هو المشاركة في كتابة بيان دعم للقطاع الثقافي في رومانيا، التي كانت الحكومة الرومانية تهدد استقلاله. وعم شعور بالحماسة بين العاملات والعاملين في التنظيم الثقافي لفرصة اللقاء بالنظراء من دول أخرى، لإظهار أن الفنون والثقافة مهمة للاتحاد الأوروبي بقدر الفحم والفولاذ. لم تقتصر هذه الحماسة على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في حينه، بل امتدت إلى زميلاتنا وزملائنا في وسط وجنوب شرق أوروبا، وإلى الفنانين والفنانات من جنوب البحر المتوسط وفي الولايات المتحدة وفي كل مكان. كنا نجتمع لنلتقي لأننا نؤمن معاً بالفنانين والفنانات.
تجدر الملاحظة أن الدافع حينها لم يكن المال. لم تكن المشاريع الثقافية التعاونية تتلقى الدعم المالي، ولم يكن لدى الاتحاد الأوروبي سياسات ثقافية تستحق الذكر. في الواقع، كانت اللجنة الأوروبية ضدنا، وتكرر عبارة "التشبيك يدفع إلى الكفّ عن العمل" للسخرية منا. ووصفتنا المؤسسات الثقافية الألمانية والدنماركية بأننا "جهة وسيطة غير مرحب بها بين الفنانين والفنانات، والمؤسسات الفنية". ناضلت هذه الشبكات الثقافية والفنية الأولى كثيراً لنيل الاعتراف بها، وأثبت التاريخ أنها محقة. ولكن، في سنوات التأسيس، لم نقدم مشاريع تبحث عن التمويل مباشرة، بل سعينا إلى إرساء الثقة بين الزملاء والزميلات. عرّف صديقي وزميلي السابق، توني غونزاليس، الشبكة بأنها "مكان للتواصل والاحتكاك الفكري". بفضل الاستناد إلى الثقة، شعرنا بالقدرة على إنشاء تعاونات فنية. كنا نعبر الحدود ونتبادل الأفكار مع محترفين ومحترفات لم نكن نعرفهن بعد، ونعمل في ظروف لم نكن نفهمها بعد لنتعلم ويتحسّن عملنا. المقتبس التالي من رواية ألي سميث، "الربيع"، يصف الأمر بشكل جيد، على لسان الراوية، الفتاة المراهقة التي ندرك في النهاية أنها تبحث عن أمها التي قبضت عليها شرطة الهجرة:
تقول الفتاة ماذا لو. ولا تقول إن هذه الحدود تقسم الأماكن. قلنا، هذه الحدود تجمع مكانَين مثيرَين للاهتمام حقاً. ماذا لو حولنا المعابر الحدودية إلى أماكن للإصغاء، إلى أماكن يؤدي عبورها إلى زيادة الإمكانيات.[3]
يبث هذا المقتبس في القشعريرة دائماً، لأنه يبين كيف يمكن أن نوسع آفاقنا، وأن نصبح أكثر عمقاً في أذهاننا بعبور الحدود، سواء كانت جغرافية أم طبقية أم عرقية أم دينية.
يمكن للشبكات الثقافية أن تؤدي دور ما يُسمّى في العلوم السياسية بالمجتمعات المعرفية، أو شبكات المناصرة العابرة للحدود: “… شبكات من المحترفات والمحترفين ممن يتمتعون بالمعرفة اللازمة ... (هاس، 1992: 3). وما أجده مثيراً للاهتمام في هذه المجتمعات المعرفية أنها لا تعمل حسب الكسب المادي بل "من خلال تعزيز تبني مشروع السياسة المعنية بالمجتمع المحلي" (سبينوس، 1992: 325).
أعتقد أنه من غير الممكن تشكيل شبكة، فنية كانت أم غير ذلك، من دون حيازة وزن سياسي. إن وجود شبكة من المحترفات والمحترفين من أصحاب المعرفة، يتبادلون المعارف ويناقشونها، وبالتالي يطورونها، يضيف إلى المعرفة الموجودة في المجتمع المحلي الذي تتشكل فيه الشبكة، وهذا فعل سياسي. CN مثلاً هي شبكة، ولكنكم جميعاً أطراف في الشبكات، أو حلقات في السلسلة التي تحمل المعلومات وتقرّب إحدى الشبكات إلى الأخرى. لذلك، أوصيكم بأن تنشطوا في أي من الشبكات الثقافية الموجودة حالياً في أوروبا وخارجها، للحصول على الإلهام المتبادل الذي يحفز أفكاراً وشراكات جديدة. يمكن النشاط في حركة On the Move، التي تركز على التجوال، أو TransEuropeHalles، التي تعمل مع المراكز الفنية الشعبية، أو IETM لفنون الأداء، أو Transartists للإقامات الفنية، أو Culture Action Europe، وهي الشبكة العامة لمناقشة السياسات الثقافية في أوروبا والتأثير فيها.
ختاماً، قرأتُ مؤخراً مقالة تنتقد أن كل شيء، بما في ذلك الفنون، أصبح موضع استخدام واستغلال…[4]. صحيح، في اعتقادي، أن القطاع الفني سمح أن يتم التلاعب به، إذا صح التعبير، ليعبّر عن ذرائع لاستغلاله، لاسيما الذرائع الاقتصادية. وهذا أمر يؤسَف له، ولكن يستحيل تجنبه، فمن الصعب إنجاز أي شيء دون دعم. بعبارة أخرى، من الصعب إنجاز أي شيء دون مال.
حتى أكثر السياسات الثقافية استنارةً وتشاورية هي سياسة هرَمية من أعلى الهرم إلى أدناه، تكتبها جهات تمثل السلطة، وبالتالي، فهي تتلاعب، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالقطاع الذي تخصص هذه السياسات له.
المفارقة هنا أن الأمر معكوس في الديمقراطية، فهي من القاعدة إلى الأعلى، وأقوى دوافع التغيير تأتي من التحركات الشعبية أو المجتمعية. وتتجذر عواصم الثقافة الأوروبية في المجتمعات المحلية، لذلك، فإن أفضل ما يمكن للعواصم الثقافية الأوروبية فعله هو الإصغاء إلى أفكار المجتمعات المحلية والفنانين والفنانات ورفعها لتصل إلى التضمين في السياسات الثقافية. هذا أمر بالغ الأهمية اليوم، في زمن تتراجع فيه الديمقراطية في أماكن عديدة منها دول الاتحاد الأوروبي. وعلينا جميعاً أن نعمل على هذا، أياً يكن مكان تواجدنا أو طبيعة عملنا ومجال تأثيرنا.
ما أدافع عنه هو أوروبا التي ما زلتُ أؤمن بها رغم كل شيء، وآمل أن تؤمنوا بها أنتم أيضاً، أوروبا التي تُعبَر حدودها، وتنتشر فيها الرعاية والحرية، والتبادل القائم على الاحترام. أوروبا العدالة… في الواقع، كل هذا مذكور في وثائق السياسات الثقافية. ولكن تنفيذه يتطلب العمل والرعاية والتكافل.
يمكنكم مشاهدة الخطاب كاملاً من خلال هذا الرابط.
[1] Ricoeur, P. (1996). ‘Reflections on a New Ethos for Europe’, in Kearney, R. (ed.) Paul Ricoeur: the Hermeneutics of Action. London: Sage Publications. 3–13.
[2] D’Souza, A. (2024). Imperfect Solidarities. Berlin: Floating Opera Press.
[3] Smith, A. (2019). Spring. London: Anchor Books.
[4] Baggini, J. (2026). ‘The Sixty Second Hug’, 24 February, 2026. Aeon. https://aeon.co/essays/instrumentalisation-is-making-everything-a-means-to-an-end
