صعاليك المائدة: بقلم جولان حاجي
مؤمنين بمصحفهم الأسود، في قرى الجزيرة السورية وعفرين، صلّى الإيزيديون لمعبودهم، طاووس الملك منجب كلّ شيء. بيضته فقستْ عن الكون الذي كان نائماً في الصمت والعتمة. ولمّا انشقّتْ عنه القشرة وُلِدَ معه الجبّاران: الوقت والموت.
اعتقد الشيخ جودت سعيد بولادة ثانية للإنسان: "حين يخرج من رحم الآباء فكرياً". لعلّه استلهم هذه الفكرة من الإغريق الذين اختاروا لأبطال أساطيرهم منفى عقوبات في قمم القوقاز، الجبال التي هُجّر منها أجداده إلى سوريا. معتمراً طاقيته الشركسية، أضاء بشَيْبهِ الوجوهَ النضرة للمتظاهرين السلميين في الانتفاضة السورية منذ آذار/مارس 2011، ثم عاين عن كثب مصائرَ السوريين وحياتهم التي تمزّقت، وتأجّل فيها كلُّ شيء إلا البطش والأحزان وخدمة الجيش. كان الشيخ واحداً من الذين شرّدتهم الحرب إلى المنافي، بعدما هُجّر نصف الشعب السوري من مكانه الأوّل. الذين غادروا على عجل تركوا كل شيء وراءهم واختفوا. تركوا ملابسهم ومكتباتهم ولوحات أصدقائهم، بيوتاً ومدناً وعشّاقاً، عبروا الحدود والبلدان، إلى مخيمات ومهن جديدة ولغات جديدة. على الطريق بدّل بعضهم خنادق قناعاته وأفكاره، وغيّر أحياناً ديانته وجنسه، متخلياً عن أقنعته القديمة قبل الدخول إلى حفلة تنكرية أخرى يؤدّي فيها دوره الجديد، منتقماً من ماضيه بالنسيان.
حُرّاً من أسْر الأعميين "الحبّ" و "الكراهية"، رفض جودت سعيد فكرة دوران العالم حول شمس العنف. كان يعلم أنّ سوريا لا تُحصَر بالعروبة والإسلام إلا بالإكراه. ظلّ يردّد منذ أواخر الستينات: "اصنعوا السلام بينكم أولاً، قبل الحديث عن أيّ سلام مع إسرائيل". استفزّ الجميع منذ خطبه الأولى، ليوقظ السوريين إلى اللاعنف، لأنّهم لا يزالون يعبدون آباءهم، و "قد سُلّط عليهم أراذلُ الأرض من أنفسهم ومن غيرهم". سُجِن إثر خطبته في جامع المرابط بدمشق 1965، حين أشهر كفره بالطاغوت، قائلاً: "فليعلن السادة العلماء أنهم خلعوني، كما كان الجاهليون يخلعون صعاليكهم". قال إنه "لو خُيّر بين القومية والمسيحية لاختار المسيحية". أسهب في تحليله مذهبَ ابن آدم الأول، وجريمة القتل الأولى كما وردت في سورة المائدة، معتصماً بكلمات الابن القتيل في هذه الآية: "لئن بسطتَ إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك". تقاطع في نهجه مع مارتن بوبر عند دمج الضميرين "أنا" و "أنت"، إذْ ما أمرَّ السؤال عن البادئ بالقتل ما دمنا عالقين في دوّامة الجرائم. فارق الإنسان عن الحيوان هو وعي هذه "الأنت" التي تُنسى. كأن الأنانية جوهر الوجود، وكلُّ ما يعارضها أَوْلى باللامبالاة، أو بالامتعاض والغضب والحقد. مَن يعارضها عدوٌّ يجب أنْ يُباد. مرة تلو أخرى، صابراً على الساخرين عبر السنين، دعا جودت سعيد تلامذته إلى الالتزام الحرفيّ بمقولة المسيح: "احسِنوا إلى الذين يسيئون إليكم".
أرسل السوريون مناشداتٍ لا تُحصى إلى العالم أثناء حربهم الطويلة، وقلّما راسلوا أنفسهم. وصلت إلى هواتفهم رسائل كثيرة مُبكية من السجون، من تحت الماء ومن تحت الأنقاض. من جهة أخرى، ما أكثر الذين تنافسوا بينهم في حلبات العنف، مادياً ومعنوياً، واقعياً وافتراضياً، كما يتنافس أطفال لم يُفْطَموا عن الشتائم والوعود. ولولا العجز واستحالة المهمّة لاستأثر أقواهم بالبلاد لنفسه وطرد الجميع من اللعبة.
لم يصِرِ السوريُّون ما أرادوا. صاروا ما يُراد لهم، أو بلسان جودت سعيد: "كبار العالم! نحن قرابين آلهتهم، نفّذنا بإرادتنا إرادتَهم!" تهدّمتِ البلاد، ولم يحلّق أي فينيق من رحابها التي التهمتها الحرائق، من غابات الساحل إلى صحراء تدمر، من البحر إلى النهر. لم يظهر بينهم "أدب الأنقاض"، كما ظهر في ألمانيا بعد هزيمة النازية- ذكّرتُ نفسي حين اطّلعت على بعض كتّابهم الشبّان من خلال مؤسسة "اتجاهات-ثقافة مستقلّة". أحسبُ أنّ الأصوات الجديدة تضع حرية الكتابة قبل أيّ اعتبار آخر، وتؤمن بأقلية الأدب لا بأدب الأقليات. لو تسنّى للسوريين التمعّن في المصادفات اللغوية التي وهبتها لهم قسوة الأقدار، لقرأوا كتباً كردية تُطبع في القامشلي بدلاً من يريفان أو هولير، وإذا ترجموا بعضهم بعضاً لرأوا كم هم غرباء عن أنفسهم قبل أنْ يكونوا غرباء عن الآخرين.
لا يزال الخوف واللغط السوريان مستمرَّين، حيث يصخب الجميع باستثناء الموتى. باسم الموتى تجري الانتقامات على كلّ الجبهات، وباسمهم يتقاتل الناجون على صدارة الألم. رفض جودت سعيد الردّ على غرور العنف بعنفٍ آخر، رغم أنّ قوانين الانتقام لم تسقطْ بالتقادم، منذ بابل حمورابي إلى غزّة وبيروت، من عمى "العين بالعين" إلى سُعار "قطرة من دمائنا بشلال من دمائكم".
نحن ورثة موتانا، كفى بهذه البداهة عبرة في التواضع والصمت. نحن ورثة انتظار وصبر طويلين لم يكافأ عليهما إلا الندرة. في هذا الدمار الأخلاقي، وسط القتلة واللصوص الذين تستعبدهم القوّة فيستعبدوننا بالقوّة، كيف لنا استرداد ثقتنا بالآخرين قبل استرداد ثقتنا بأنفسنا؟ من أين سنستمدّ قوّة التفكير لننظر إلى تلك البقاع المظلمة في نفوسنا حيث يلمع الألم كعيون المفقودين؟ أيُّ لذّة للفوز؟ أيّ فوز بأيّ شيء، حين تفقد أمَّك أو أباك فتحرمك من حضور الجنازة جرائمُ حمراء في أرض بلادك، أو تمنعك من السفر جرائمُ بيضاء لآلة البيروقراطية الجهنمية في أرض لجوئك، فيحمّلك القضاةُ وزرَ عجزك، حتى تكاد تلتمس منهم الصفح عن الخطأ لأننا بشر ونموت.
"الدولة تحفة الأنانية"، يقول شوبنهاور. العقل يحجب تلك الأنانية الشاملة الرهيبة التي لا حدود لها، كمن يحجب عاراً (العقل هو "الحجاب" باليونانية التي كانت إحدى اللغات الرسمية في سوريا القديمة). تربّي الدولة رعاياها على معرفة مصلحتهم. عليك بالبحث عن نفسك في كل شيء، نفسك أولاً، نفسك وكل ما قد يعود عليك أنت بالقوة والمتعة والمنفعة. حذارِ أنْ يستغلّك أهلك وجيرانك، لأنّ الطريق إلى الكذب مستقيم أحياناً. نحاكم أفكار الآخرين عادة، ولا نحاكم أفكارنا. لا نطيق أنْ نرى الأنانية، ونسمّيها "عدوّة الأخلاق"، ولكننا في الوقت نفسه نعيشُ احتلالَها رؤوسَنا واحتلالها كلّ ما حولنا، متأرجحين بين النشوة والقرف قدّام صراعات هذه الأنا وتلك الأنا، في هذا العرض المكرّر من الجرائم والأخطاء والجنون، حتى أننا نصفّق للإيثار، ونغدق المدائح على مَن يحبّ لجاره ما يحبُّ لنفسه.
ربما المتألّمون مهزوزون ومتردّدون، حزانى ومثقَلُون بالغثيان. ليتنا نصدّق الشاعر المغربي عبد الرحيم الصايل:
لنعدْ
يا أصدقائي
إلى الجبل المحطَّم
ولنبحثْ
عن الأمل
تحت الأنقاض.
إذا وجدناه حياً
نعيده إلى الناس
وإذا وجدناه ميتاً
نحتفظ به لأنفسنا
لكيلا تنتهي بنا الآلام إلى الوحدة مرة أخرى، حيث يتوهّم المخذول أنّه مهجور حتى من أعزّ أصدقائه، ولكيلا تقودنا الأنانية المتوحّشة إلى كراهية ما يجدر بنا أنْ نحبّه ونرأف به: بلدنا، سوريا.
ديسمبر 2025 - جولان حاجي
جولان حاجي: شاعر وكاتب مقال ومترجم سوريّ-كرديّ. درس في كليّة الطب بجامعة دمشق حيث تخصّص في علم الأمراض. مقيم في سان دني، فرنسا. صدرت له خمس مجموعات شعريّة باللغة العربيّة: "نادى في الظلمات" (2004)، "ثمّة مَن يراك وحشاً" (2008)، "الخريف، هنا، ساحر وكبير" (2013)، "ميزان الأذى" (2016)، "الكلمة المرفوضة" (2023). ترجم إلى العربيّة أعمالاً لروبرت لويس ستيفنسن، ألبرتو مانغويل، ياسوناري كاواباتا، مارك ستراند وآخرين. كما أصدر كتاباً نثريّاً "إلى أنْ قامتِ الحرب: نساء في الثورة السوريّة" (2016). كتابه الأخير "قبل هذا الصمت" (2024) مختارات شعريّة بالعربيّة والفرنسيّة ترجمتها ناتالي بونتان ومارلين هاكر.
