بعض الأفكار حول سنة تدعى 2020   


مع وصول السنة الحاليّة إلى نهايتها، نكون قد شهدنا واحدةً من أكثر السنوات زخماً بالتحدّيات الاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والصحيّة، والسياسيّة، خاصّةً في المنطقة العربيّة، التي تسبّبت بفقدان الكثير من الفنّانات والفنّانين، والعاملات والعاملين، في القطاع الإبداعيّ لفرص عملهم، وارتفاع مخاطر تسرّبهم من القطاع الفنيّ إلى أجلٍ غير مسمّى، وفرضت تحدّيات هذه السنة على العديد من المؤسّسات، والفضاءات، والتجمّعات الفنيّة -تلك التي نجت من الإغلاق- تأجيل وإلغاء برامجها، أو مراجعة وتعديل خطط عملها، ومحاولة أقلمتها بعدّة طرائق، وتفعيلاً أكبر للفضاء الرقميّ بصفته وسيط عرْض، وتواصل على الرغم من  إدراكها أنّ هذا الفضاء وإن اتّسع لأنواعٍ فنيّةٍ محدّدةٍ إلّا أنّه يضيق أمام أنواعٍ أُخرى، إضافةً إلى تعذُّر وصول هذا الفضاء إلى فئاتٍ وشرائحَ عديدةٍ من الجمهور، ما زاد من عزلتهم وتهميشهم. 
 
كغيرنا من المؤسّسات والتجمّعات الثقافيّة، وجدنا أنفسنا في قلب هذه المتغيّرات، ما دفعنا إلى إعادة النظر في عملنا، وأقلمته؛ لمواجهة قيود التهميش القانونيّ، والاجتماعيّ، والاقتصاديّ، الواقعة على منتجي ومنتجات الفنون، وحرضنا على أن نكون جزءاً من تحالفاتٍ أطلقت مبادرات دعمٍ تضامنيّةً على الصعيدين: الصحّيّ، والمعيشيّ.
في هذه السنة، وجدنا أنفسنا عند نقطةٍ تتقاطع فيها سياقات عملٍ تتّصل بسوريا والمنطقة العربيّة، وفي موقعٍ يتيح تشارك التعلُّم، وينفتح أكثر على أسئلة العدالة الاجتماعيّة، جنباً إلى جنب مع ضرورة الاستمرار في دعم الحريّات الفكريّة، وإنتاج الفنون والمعرفة المرتبطة بها، وانعكس ذلك من خلال المساهمة في دعم استقرار وإنتاج مشاريعَ ومقترحاتٍ فنيّةٍ لأكثر من 250 فنّانةً وفنّاناً، وعاملةً وعاملاً في الفنون، وأُتيح لنا أن نكون جزءاً من مسيرتهم الفنيّة عبْر برامجنا، وعبْر المبادرات المشتركة التي كنّا جزءاً من إطلاقها استثنائيّاً لهذا العام. 
 
ونرى أنّ هذا التقاطع في سياقات العمل والأدوار ما هو إلّا انعكاسٌ لانزياحٍ عميقٍ يحصل اليوم في دور المؤسّسات والتجمّعات الثقافيّة في ظلّ غياب شبكات الأمان والحماية لقطاع الفنون، واستمرار التضييق على مؤسّسات القطاع المدنيّ، وندرك -في الوقت نفسه- أنّ هذا الانزياح هو امتدادٌ لمعركة الفنّانات والفنّانين أنفسهم، الذين سيتعذّر عليهم متابعة عملهم من دون توظيف بدائل دعمٍ ماديٍّ، وفنيٍّ، ومعرفيٍّ، وإنتاجيٍّ.
 
ندخل -السنة القادمة- عامنا العاشر، الذي نتوقّف فيه عند أبرز التغيّرات الحاصلة في الممارسات الفنيّة خلال العقد المُنصرم، وسنأخذ معنا -من هذه السنة- الكثيرَ من الخلاصات والأفكار التي ستنعكس في برامجنا الأساسيّة، وفي برمجةٍ خاصّةٍ يُعلن عنها خلال العام القادم، كما سنأخذ معنا امتناننا لأفعال التضامن كلّها التي قامت بها المؤسّسات، والتجمّعات، والعاملات، والعاملين في القطاع الفنيّ، التي أتت لتكون في صميم الممارسات المدنيّة والمواطنيّة.
 
ونشكر شركاءنا وداعمينا في هذه الظروف الاستثنائيّة، وهُم: مؤسّسة فورد، والمجلس الثقافيّ البريطانيّ، ومؤسّسة مميتا، ومعهد غوته، ومؤسّسة أليانز، ومؤسّسة روزا لوكسمبورغ، وصندوق حماية التراث. كما نشكر مؤسّسة دروسوس، ومؤسّسة دون، ومؤسّسة هاينريش بُل الشرق الأوسط، الذين قاموا -إضافةً إلى دعم عملنا- بتقديم دعمٍ إضافيٍّ عقب تضرّر مكاتبنا من جرّاء انفجار مرفأ بيروت.
 
 ابقوا سالمات وسالمين، وعلى أمل الّلقاء في ظروفٍ أفضل في عام 2021!


الحقوق محفوظة اتجاهات- ثقافة مستقلة 2021
تم دعم تأسيس اتجاهات. ثقافة مستقلة بمنحة من برنامج عبارة - مؤسسة المورد الثقافي